الشيخ باقر شريف القرشي

58

حياة الإمام موسى بن جعفر ( ع )

الأمة ، وانما كتبوا لجهة خاصة بعيدة كل البعد عن روح الواقع ، وقد القى الستار في كثير من بحوثه على الحقيقة ، وراح يخدم الدولة أو المحيط وجنى بذلك على التأريخ الاسلامي جناية لا تعدلها جناية ، ان الحكم ببراءة هارون من السرف والتبذير لا يتفق بأي حال مع الحوادث التي أجمع عليها المؤرخون الدالة على تبذيره بأموال المسلمين ونهبه لثرواتهم ، ولم يوافقه على هذا القول أحد من الكتاب حتى أحمد أمين الذي عرف بالانحراف والتحيز في كثير من بحوثه قال : « فلسنا نتفق معه على ما يستخلص من قوله انه كان بمنحاة من السرف والترف ، وانه كان يعيش عيشة ساذجة ، وانه لم يوقع محرما ، فهذا أيضا إفراط في التقديس ، لا تدل عليه سيرة الرشيد ، خصوصا وان أدلته خطابية فقرب عهده من المنصور لا يستوجب ان يعيش عيشته ، وقد صرح هو مرارا بأن الترف والنعيم في عصر الرشيد كان أكثر منه في عصر المنصور ، ولو كان قرب العهد يكفي في الاستدلال لما رأينا الأمين - وهو قريب عهد من الرشيد يسير سيرته . والعجب انه عقد فصولا طويلة يتعرض فيها لوصف الحضارة والنعيم والترف في أيام الرشيد والأمين والمأمون وتفننهم في المطعم والمشرب ، وهو هو الذي وافق ( المسعودي ) و ( الطبري ) على ما حكياه في أعراس المأمون ببوران بنت الحسن ، وان المأمون أعطاها في مهرها ليلة زفافها الف حصاة من الياقوت ، وأوقد شموع العنبر في كل واحدة مائة من ، وبسط لها فرشا كان الحصير منها منسوجا بالذهب مكللا بالدر والياقوت الخ « 1 » . هل هذا ليس سرفا في الترف ؟ وهل قرب عهد المأمون من الرشيد كقرب عهد الرشيد من المنصور جعلت الناس يعيشون عيشة السذاجة

--> ( 1 ) تأريخ ابن خلدون : 1 / 145